كتاب تركيا الأمة الغاضبة

كتاب تركيا الأمة الغاضبة

عالج الكاتب كثيرا من القضايا بحيادية، وكان مستوعبا وذا رؤية لكثير من التفاصيل، وكان طرحه في العموم موضوعيا، ولم يبد إعجابه بأحد إلا تورجت أوزال صاحب الإصلاحات الاقتصادية الواسعة، وبأحمد داود أوغلو الذي اعتبر أنه استطاع تطبيق نظريته السياسية الجديدة "العمق الاستراتيجي" أثناء توليه وزارة الخارجية وأنه استطاع فتح آفاق واسعة أمام تركيا بانفتاحها على العرب والبلقان والشرق الآسيوي إلى الحد الذي جعل التركي يستطيع الانسياح والاندماج والتأثير في فضاء واسع مما يرسم خريطة سياسية جديدة تنكمش فيها مساحة نفوذ أوروبا وأمريكا.

ويختم الكتاب بقراءة في سيناريوهات المستقبل هو أقرب إلى النصائح والتوصيات منه إلى الرصد والتوقع، وهو يرجو أن يتمكن حزب الشعب الجمهوري العلماني الكمالي من تطوير نفسه ليكون منافسا قويا وحقيقيا لحزب العدالة والتنمية فيتحقق بذلك شرط الديمقراطية التي تشترط وجود حزبين مختلفين معبريْن عن جماعات وطوائف اجتماعية مختلقة. كما أنه لا يستبعد عودة العسكر مرة أخرى ولكن في هذه المرة لن تبقى تركيا موحدة بل سينفصل عنها الجزء الكردي، إلا أنه يرجح استمرار سيناريو الليبرالية مع ما سماه "الوصاية الإسلامية" ويعني بها التوجه الإسلامي لحزب العدالة والتنمية.

يتميز الكتاب بأنه مجهود بحثي محترم ويقدم صورة واضحة لملفات تغيب عادة في الكتابات العربية عن الشأن التركي كملف الأكراد والأرمن والعلويين.

ويؤخذ على الكتاب بعض أمور أهمها:

1. أنه لم يعط "الدولة العميقة" حقها من الاهتمام والتتبع، فلقد كان حجم استعراضه لقوتها وتأثيرها وشبكاتها أقل بكثير مما ينبغي للفاعل الرئيسي في التاريخ التركي المعاصر.

2. كما بدا من المؤلف انحيازات فجة إلى العلمانية والموقف الغربي في عدد من القضايا، منها لهجته لدى الحديث عن الإسلاميين؛ فهم مثيرون للمخاوف ومرتكبون للجرائم بخلاف لهجته الأرفق كثيرا باليساريين رغم إثباته لعدد من الجرائم التي ارتكبوها إلا أنه يغلفها بالثورية وبالمناخ المناهض للإمبريالية. ومنها: تفهمه للموقف الأوروبي المنافق والمتلاعب بتركيا في مسألة انضمامها للاتحاد الأوروبي وكيف كانت تختلق الحجج والمعاذير وتبتكر السوابق التاريخية لمنع تركيا من دخول الاتحاد الأوربي، فهو وإن أثبت هذه المواقف إلا أنه يعتذر بالمخاوف الأوروبية الناتجة عن أحداث 11 سبتمبر ونحوها. بل إنه تفهم حكم المحكمة الأوروبية ضد طالبة كلية الطب التركية ليلى شاهين والتي منعت من دخول امتحان السنة الخامسة لارتدائها الحجاب فقررت رفع القضية للمحكمة الأوروبية إلا أن المحكمة انحازت لعلمانية الدولة ضد حريتها الشخصية واختياراتها الدينية وأيدت حكم المحكمة التركية بحرمانها من الامتحان.. هنا يبدو الرجل المتسامح الذي حوَّل كتابه أحيانا إلى منشور مدافع عن الأقليات وحقوقهم إلى "متفهم لقرار المحكمة" النابع من الإسلاموفوبيا!!

3. إن الكتاب وإن كان مجهودا بحثيا رصينا إلا أنه يكاد يخلو تماما من المصادر، إذ لم يثبت المؤلف سوي مصدرين أو ثلاثة، بالإضافة إلى لقاءاته المباشرة مع بعض الشخصيات، وليس من بينها شخصيات ثقيلة كذلك. وهذه مخالفة لشرط أساسي من شروط البحث العلمي قُصِد بها –ضمن ما قُصِد- محاكمة الكاتب إلى مصادره في الدقة والأمانة وصحة المعلومة.


وفي كل الأحوال يظل الكتاب كتابا مفيدا جديرا بالقراءة.

تحرير
المراجعة هي رأي القارئ وانطباعاته عن الكتاب، مراجعات القراء تفيد في فهم أعمق وتساعد من لم يقرأه في تقرير إذا كان يستحق القراءة أو لا، شارك الآخرين بمراجعاتك لتعم الفائدة.
تستطيع إضافة مراجعتك لهذا الكتاب أو تصحيح بياناته بعد تسجيل الدخول

انتم ازهار توزع العطور .. شكرا