كتاب فرسان وكهنة

كتاب فرسان وكهنة

قليلة هي الأعمال الأدبية التي تظهر دور الأدب في التاريخ وربطه بتجربة إنسانية حيّة وصياغتها صياغة فنية تحقق المتعة والفائدة معاً. ولكن الدكتور منذر القباني اشتغل على أكثر من ذلك، حين عمل على إحياء الذاكرة الفردية والمكانية والمجتمعية بعناصر من الواقع، والوثيقة، والسرد، والخيال، فاحتشدت كل العناصر التي تضبط جدلية العلاقة بين الإنسان من جهة وبين التاريخ والإبداع السردي من جهة أخرى. وكانت ثلاثية "فرسان وكهنة" المشروع الروائي الجديد في بنيته الزمنية وفضائه المكاني وأشخاصه أقرب ما يكون إلى الحقيقة والواقع. فقد بنى الروائي أحداثه من مركزية حقيقة الحدث (وجود القائد جنكيز خان كشخصية تاريخية حقيقية) إلى الحدث المتخيل والمفترض المنسوج تحقيقاً لهذا الواقع أو خلق عالمه الموازي (حقيقة وجود الطبيب مراد قطز في الحياة وحقيقة انتقاله إلى العالم الآخر) فكان الحدث أشبه بمشاهدة شريط سينمائي لا يخضع فيه القارئ إلى معايير الزمان والمكان، بل إن الروائي يترك له حرية مشاهدة الأحداث من أي زاوية يراها مناسبة وحتى حرية التنقل بين هذه الأحداث وزواياها المختلفة، فتارة يجد نفسه أمام همجية المغول في القرن الثاني عشر وتارة أخرى في القرن الواحد والعشرين يتابع سير شبكة من العلاقات الاجتماعية المتشابكة في مجتمع مخملي يضم سادة وعبيد في قصر من قصور الرياض، وهذا ما جعل الروائي يحرّك شخوصه عبر الزمن وكأنهم يتحركون أو الزمن يتحرك من حولهم.

فمراد قطز الشخصية الرئيسية في العمل رأى أن الذي حدث له في الماضي، وكأنه كان يحدث في الحاضر حتى أنه تساءل: "هل بإمكاني أن أفعل ذات الشيء؟ هل بمقدوري إعادة مشاهدة الأحداث التي مرّت بي، وكأنها حية أمامي؟...". ويأتي الجواب من الروائي على لسان شخصية من الرواية عبر حقيقة علمية أثبتتها التجربة، ولكن كثير من الناس لا يدركونها، لأنهم لا يلاحظونها في حياتهم اليومية، "... الواقع كما يراه الإنسان والواقع كما هو قد لا يكونا ذات الشيء. بل هناك ما هو أدهش من ذلك. فبحسب فيزياء الكم، العالم كله قائم على الاحتمال وليس على اليقين، فكل شيء قابل للتحقق مهما كانت غرابة ذلك الشيء. هي فقط مسألة احتمال قد يكون ذلك الاحتمال ضئيلاً وقد يكون كبيراً، وهذا ما يحدِّد مجريات الحياة اليومية".

وعلى هذا يكون وجود الإنسان في بقعة من الأرض لا يمكن أن يكون بلا معنى أو محل مصادفة، بل هناك رابط كبير يربطه بهذا المكان. ولكن الذي لم يفهمه بكل الرواية بعد هو لماذا هذا الزمان؟ ذلك السؤال المحيّر الذي يجيبنا عنه منذر القباني في ثنايا الرواية بكثير من الحكمة والتعقل: "لطالما عبر تاريخ الإنسان ظلت هناك أمور عصية على الفهم، تشكل له تحدياً يدفعه إلى السؤال والبحث، والعجيب في الأمر، أنه ما أن يقوده بحثه للإجابة عن سؤال محيّر، حتى يكتشف أن الإجابة قد تولد عنها أسئلة جديدة ليس لها عنده جواب. وهكذا عبر العصور، ظل الإنسان يسأل، ويبحث، فيسأل، ثم يبحث من جديد، وكأنه يسير في دائرة مغلقة، لا بداية لها ولا نهاية! من أنا؟ من أين جئت؟ إلى أين أسير؟ وما سر هذا الكون الذي أراه من حولي؟ أسئلة كانت تتراكم لتحرِّكه من أجل اكتشاف ذاته ومحيطه الذي يحياه، كما كانت تحرك مراد من أجل معرفة من يكون؟... ذلك السؤال الأهم الذي اقترحه عليه عبد الرحمن في بداية لقائه به، في ذلك المكان غير المأهول، على مشارف أترار!...".

وبعد "فرسان وكهنة" ملحمة تاريخية تزاوج بين الماضي والحاضر شكلت نسيجاً روائياً فريداً ساهمت المخيلة في صنع أحداثه أكثر من الذاكرة، فحملتنا إلى مطارح بكر لم تطأها أقدام الروائيين من قبل من دون أن تنقطع عن عالم الواقع. الأمر الذي تجلّى في وحدة نصية/سردية متناغمة ومشوقة.

تحرير
المراجعة هي رأي القارئ وانطباعاته عن الكتاب، مراجعات القراء تفيد في فهم أعمق وتساعد من لم يقرأه في تقرير إذا كان يستحق القراءة أو لا، شارك الآخرين بمراجعاتك لتعم الفائدة.
تستطيع إضافة مراجعتك لهذا الكتاب أو تصحيح بياناته بعد تسجيل الدخول

سطوة التاريخ في رواية فرسان وكهنة
رعد تغوج
بدأتْ حركة توظيف التاريخ والأحداث التاريخية المُتنوعة في الأدب العربيّ مُنذُ بدايات القرن العشرين ، فقد خطَ "جورجي زيدان" لنفسه منهجاً واضحاً في كِتابة الرواية والعَمل الأدبيّ ، عبرَ تنصيص الرواية بأحداث تاريخية ، هذا ما شاهدناه في " فتاة غسان" و " أرمانوسة المصرية" و "عذراء قريش" و "فتح الأندلس" ، فضلاً عن "الحجاج بن يُوسف" و "شارل وعبد الرحمن" ، وغيّرَهَا من الأعمال الروائية التاريخية التي وصلتْ إلى اثنينِ وعشرينَ عملاً تقريباً.
وهذا ما شاهدناهُ عند علي أحمد باكثير أيضاً في بعض أعمالهِ الروائية والمسرحية ، مثل "واسلاماه" و "إبراهيم باشا" وغيرها مِنْ الأعمال ، بَيدَّ أنَّ هذه الطبقة مِنْ جمهرة الروائيين والأدباء التي وظفتْ النصوص التاريخية في مَتنِ الرواية والخطاب الأدبي ، أغرقتْ إغراقاً مُسرفاً في التاريخ ، ورواية التفاصيل الواقعية ، بعيداً عنْ الخيال المُلازم للرواية ، وبعيداً عن الحقيقة المُلازمة للتاريخ ، مِمّا شَكَلَ نوعاً مِنْ النُوستالجيا الجَمْعِية ، ولا نقولُ "عُصاباً " جماعياً ، حيثُ جاءتْ تلك المُدونة السردية – وفي غالبها – رداً لحركة تنويرية أخرى ، كانَ يقومُ بِها – على مضض – بعضَ المُثقفين المصرين ، أمثال لويس عوض وغيرهِ من الأدباء والمُفكرين، مِمّا شكلَ تياراً – إسلاموياً – في حقل الأدب تجلى في أعمال " نجيب الكيلاني" و"مُصطفى صادق الرفاعي" وغيره.
ثُمَّ تطورتْ تقنيات الكتابة السردية التي تمزج بينَ التاريخ والخيال الروائي ، وليُصبح التاريخُ ناطقاً عن الواقع ، ويَغدو الواقعُ مُسقطاً على التاريخ ، عبرَ مُقايضة بين الماضي والحاضر، في أرضٍ بكر ، لمْ تمْسسها قلمُ ساردٍ ولا ريشة فنان !!
تروي قصة "مراد قُطز" بطل رواية "فرسان وكهنة " للكاتب السعودي الدكتور مُنذر القباني، ذاكرة الحرب في المُخيلة العربية التراثية ، بِتَوازٍ مَعْ ذاكرة الصراع الداخلي للعربي المُعاصر، الذي أنهكتهُ الأزمات والتوترات النفسية، بادئاً روايتهُ بعنوان يحملُ في شُحناته تلك الرؤية ، وهو " الغريب" ، مِمّا يُذكرنا برائعة الأديب الفرنسي ألبير كامو ، ومِمّا يعكسُ المَنفى والاغتراب والاستلاب الذي تُعاني مِنْهُ شخصيّة الفرد العربيّ، الذي حَملَ حقائبَ سفرهُ الحمراء وغادر إلى دُنيا اللاوجود !!
إنَّ المُقاربةَ السِيميائيّةَ لعتبة النص تُقدمُ مُفتاحاً أولياً لقراءة هذهِ المُدونة ، فهي التي تُشكلُ "نصوصاً موازية" على حدِّ تعبير جاك دريدا ، فقدْ أردفَ الكاتبُ هذهِ الجُملة مُباشرةً بعدَ العنوان : "الحمدُ لله الذي خلق هذا الكونَ للأبرار ولكلِ باحثٍ جعلَ فيهِ ما جعلَ من الغرائبِ والأسرار".
هذهِ المُحاولة أصبحتْ تقليداً درَجَ عليه الروائيون المُعاصرون ، واستعملها واسيني الأعرج بكثرة في رواياته ، بَيدَّ أنَّ الجُملة هُنا تُعطينا تمهيداً أولياً للدُخول التدريجي في صدمة الغرائبيّ وخطاب اللامعقول ، بلهْ وجماليه الخروج عن الزمن وكسر السرد ، وبعثرة الأحداث ، عبرَ توظيف أدبيات الملحمة وتقنيات التناص السردي مع أعمال أخرى غيرَ ظاهرة ، مثل رواية نجيب محفوظ الأشهر "أولاد حارتنا" ، حيثُ تُمثلُ شخصية "الجبلاوي" في هذه الرواية ، مُعادلاً موضوعياً لشخصية "مُراد قطز" الذي يعيش أجيالاً دونَ أن يموت أو يفنى أو يُستحدث من العدم !!
يتقمصُ السرد شكلَ الثنائية عبرَ رحلته الحفرية في الوعي التاريخي ، فقدْ بدأ الراوي روايتهُ بالتحدث عََنْ قصة تاريخية وقعتْ في العصر المغولي ، وأبطالُ هذهِ القصة هم : ( شيليدو ، وتاموجين ، ويوشكاي خان ، وشاموكي ، والكاهن تبتنكر) وما حصلَ لهمْ منْ أحداثٍ تاريخيّة ومُغامراتٍ جماليّة ، ليدخُلَ بعدها في قصةٍ أخرى هي قصة مُراد قُطز ، وهديل التي أحبها ، ووجيه وزوجتهُ هناء ، ... وتتسارع الأحداث بعدها ، وتدخُلُ فرجينيا بشكلٍ مفاجئ بعد الضربة !! ثُمَّ السقوط مِنْ ناطحة السحاب ، الذي كانَ يعني – مَنطقياً – أنْ تُختتمَ قصة مُراد مع هذا الموت ، إلا أنَّ السرد يُعاودُ دورته في مدينة (أترار) عند حُدودَ خوارزم ، ويبقى مُرادُ حياً ، لكنه بلا جسد ، ولا يسمعه أحد إلا صديقه العارف ، وتُروى بعدها ملاحم "ينال خان" والي أترار ، ويظهر الكاهن تبتنكر وكأنهُ – ضِمناً – مَنْ يُسير الأحداث ، وتختلطُ الملحمة بالتاريخ ، والواقع بالرموز ، عبرَ عملٍ إبداعي شيق يُدهشُ القارئ ويعبثُ بمُخيلةِ المُتلقي .
يصعُبُ تحديد المَركزية في هذه الثلاثية الإبداعية التي سطّرها الدكتور مُنذر القباني ، فهل هي شخصية جنكيز خان ، البطل التاريخيّ الذي حفلتْ بهِ كُتب التاريخ والتراث ، أمْ هو شخصية مُراد قُطز ، الشخص الخيالي في رواية فرسان وكهنة ، أو السُلطان علاء الدين محمد بن خوارزمشاه في بُخارى ، وزوجتُهُ بُوران خاتون ، التي أجادتْ المُؤامرات والدسائس والكمائن ، وكذلك شخصية القاضي مُحمد بن بُشتاق النيسابوريّ ، وابنتهُ ياسمي !! فالشخصيات تسيرُ بلا مركزية في هذه الرواية ، مُعلنة عن الرفض التام للشكل التقليديّ من السرد ، ومُشكلةً قطيعة "معرفية" مع المعقول الزمانيّ والمكانيّ اللذين تعودنا عليهما في التقليد الروائيّ العربيّ .
تطرحُ الثلاثية بُعداً وجودياً هو في الصميم مِنْ الشرط الإنساني المُزمن ، كأنَ الكتابة هي الفعل المُختص بالكينونة ، والأدب هو الذي يسكنُ في الفلسفة على حد تعبير جان فرانسوا ماركيه ، والتبعثر في السرد والكتابة هو مِنْ طبيعة الشخصية الإبداعية المُتمردة كما يقول جاك دريدا في كتابه "مهماز نيتشه " . إنَّ الرواية لا تُركزُ على الخيال ، كما لا تُلحُ على التاريخ ، فالخيالُ هو واقع مُركز كما يقول غرامشي ، وإذا كان هُنالكَ مِنْ مقولةٍ عَنْ الرواية التاريخية ، فهي ملحمة التنوير الأدبي العربي ( بالصيغة المُعدلة لأنطونيو غرامشي الذي قال عن الرواية أنها مَلحمة البرجوازية الأوروبية) ...